سيف العرب
02-08-2004, 11:20 AM
ياسين النصيِّر
أدباء عراقيون
القاص موسى كريدي 1940-1996
1
يكتسب الحديث عن القاص موسى كريدي أهمية استثنائية في مثل هذه الظروف. فهو ابن لمدينة عريقة هي النجف، ولد فيها عام 1940 وأكمل الثانوية في مدارسها، ثم درس في جامعة بغداد وتخرج فيها عام قسم اللغة العربية1966. وشهد أول كتابة للقصة وهو ما يزال طالبا في الكلية. فهو أبن اسرة مثقففة عرفت الأدب منذ زمن بعيد واحتوى بيتهم على مكتبة زاخرة بالكتب التراثية. ومنذ أن عرفته في أواسط الستينات كان شغوفا بالبحث عن المفارقات الحياتية التي لا يجدها كما يقول إلا من خلال الأشكال الشفاهية الشعبية تلك التي تتحرك بيننا ونشهدها، ونعرف مصادرها ولكننا لا نتعامل ثقافيا معها.
في أواسط الستينات ظهرت مجلة الكلمة في النجف كرد فعل ثقافي على نكسة حزيران وتشتت الطاقات الثقافية والأدبية. كان موسى كريدي من كوادرها الشابة والجديدة التي وضعت مع مثقفين عراقيين آخرين خطة لاحتضان الأدباء الشباب والتجاهات الجديدة بمعناها الرافض للصياغات التقليدية والشكلية معنا . وبالفعل كانت مجلة الكلمة نافذة على الجديد، ليس في العراق وحده بل في الأدب العربي . فمدينة النجف التي تربى فيها القاص موسى كريدي تعتبر الحاضنة للثقافة الحديثة رغم تقليديتها فعراقتها في القديم شعرا وخطبة وصحافة مكنتها من أن تكون في طليعة المدن التي تحتضن الثقافة.. ليس لأنها المكان الذي يلقن ويدرس الشعر فيه كجزء من بنية الثقافة الدينية، بل هي المرجعية لكل تراث اللغة والدين والاجتهاد والشعر العربي القديم والحديث. ومنذ بداية تعلقه بالثقافة كتب موسى كريدي الشعر العمودي، ولم يوفق به كثيرا. ولكنه كما يقول منه تعلم إتقان اللغة العربية. وكتب العمود الصحفي والخاطرة النقدية، ولكنه لم يواصلهما أيضا لأنصرافة الجاد نحو فن القصة القصيرة.
اعتمد القاص موسى كريدي في كتابة القصة على ثراء الحياة الشعبية في المدن العريقة أعني مدينتي النجف وكربلاء. سواء بموروثهما الديني الذي يتلبس كل مفردة فيهما وقضية أو الثقافي العريق الذي يتوزع: كتبا ومخطوطات ومحاورات وندوات كل بيوت المدينة وحوزاتها العلمية والتعليمية. أو بحياتها الشعبية الغنية بالموروث القديم وبتقاليد الشعوب التي تأتي النجف حاجة أو زائرة أو متاجرة أو سائحة.. فقد اكتشف القاص فيها بقعته الخلاقة المولدة لمناخ قصصي متميز، مناخ ليس فيه تكرار لما حدث في قصة الخمسينات ولا تشابه لما يكتبه زملاؤه من قصاصي الستينات. فأكتشف في مفردات مقاهيها وازقتها وبيوتها العريقة وعوائلها المتباينة الألسن والثقافات والأزياء والعادات لغة قصصية ممتلئة بالتورية والبلاغة الشعبية وبالايديولوجيا المضمرة. فكان الدين وما يزال بقعة خصبة للتورية والقول بلسان معلن أمام السلطان وبآخر مضمر مخفي عن أعين السلطان. وقد عرفت النجف بمثل هذه التورية منذ زمن بعيد لتصبح مادة لغوية على ألسن العامة والكتاب منهم بوجه خاص. لغة تحمل كل ما يريده قاص متطلع للبحث عن الجديد والغريب والمتناقض والغائر في مثيولوجيا الأنسان الشعبي. وبالطبع تعد التعازي الحسينية في عاشوراء ومناسبات أخرى المادة الثرية في رؤية مجتمع المدينة من داخله وهو يمارس طقوسا وتقاليد غريبة وغائرة في الذات الجمعية. بحيث استطاع أن يلقي بنا في اتون هذا الجو المشحون بالسخرية والمفارقة، وكأننا نكتشف أنفسنا. فكان إلى جوار اتقانه فنون القصة الحديثة ومعرفته بدروب المدينة ومحلاتها، شغوف بالتقاط الشاذ والنادر والغريب من حياة الناس وأفعالهم. من هنا يتحول المكان عندة إلى طاقة بث كبرى في بناء قصصه.
لا شك أن الكثير من أدباء العراق نقلوا خصائص مدنهم في كتاباتهم، ولكن من تعامل مع المثيولوجيا الدينية وهو غيرمتعصب يمكنه أن يرى المفارقات الاجتماعية في هذه المدينة وغيرها من خلال بحثه المستمر عن الشخصية الشعبية المحملة بالعادات وبالتقاليد الشعبية، وفي الوقت نفسه المتطلعة نحو تجديد نفسها . فالشخصية القصصية عند موسى كريدي لا تشبه مؤلفها كما نرى ذلك في العديد من نتاجات الادباء العراقيين، بل تشبه كائنا مألوفا ممتلئا بالحس الشعبي وبرغبات بسيطة؛ كالسفر خارج العراق أو البحث عن وظيفة يعين بها اسرته، أو العمل في مواكب العزاء الحسينية موزعا للماء ومقدما للصلاة. كل رغبا أبناء المدن الدينية تتلخص بالبحث عن وجودهم ضمن تركيبة المدينة ووظائفها الشعبية. فلا طموح لهم خارج الدائرة المحيطة بالشخصية. من هنا أصبحت قصص موسى كريدي مثل قصة " غرف نصف مضاءة" واحدة من المواد الثقافية التي يمكن أن تدرس كمادة انثروبولوجية لعادات سكان المدن الدينية.. فمواسم العزاء وزيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وغيرها لا تعني لموسى كريدي طقوسا وعادات قديمة يزاولها الناس في المناسبات، بل هي أعياد خفية للناس كي يمارسوا من خلالها وجودهم المقموع. فالموكب الحسنيني الذي يخترق شوارع المدينة براياته وأشعاره وسلاسله وأرديته البيض والسود هو موكب رجولي بالدرجة الأولى باحثا عن وجود للمدينة وللناس من خلال التكرار السنوي لعيد طقسي كبير يواصل الناس فيه مراسم أعادة بناء الروح المهدمة. وفي جانب آخر منه كان موكبا للتظاهر بالفحولة أيضا عندما تبرز صدور الرجال مشعرة عارية أمام النساء المتحلقات حول الموكب. عندئذ لا يخرج في كتابة القصة عن الموكب وتقاليده و فكرته في التعامل المختفية ظاهريا خلف العباءات السود والملونة، بل يكشف عن واقع إنساني غائر في الذات الجمعية للناس. من أن هذه المواكب الدينية الحماسية والشعرية والتذكارية ما هي في حقيقة أمرها إلا مواصلة دينية مع الذات المقموعة سياسيا. ودافعا حقيقيا لوجود الناس خارج ميدان الاهتمام السياسي المباشر. كل هذه الاجواء، وغيرها استبطنها القاص موسى كريدي دون أن يخل بتقاليد المدينة أو تقاليد المناسبات. فهو يرى أن المناسبة الدينية تنشط حياة الناس الداخلية ثقافياً، وتدفع بهم نحو مواقف سياسية مباشرة الصدام. وبالفعل أن أول ما ووجهت به مدينة النجف وغيرها من مدن العراق الدينية هو عنف القمع ودموية السلطة وكأن القاص منذ الستينات كان يتحسس أن المواقف الخاصة بشعب هذه المدن لا تفصح عن نواياها إلا في المناسبات الدينية..
الثيمة الاساسية لقصص موسى كريدي هي رؤيته للحياة بجدلها المتناقض تتم من خلال شخصية محورية واحدة ويندر أن اشرك القاص أكثر من شخصية محورية في بناء قصصه وأعني بذلك أن لشخصيته ميزات عراقية - نجفيه حتى بعد أن غادر النجف في أوائل السبعينات. وأن هذه الشخصية تشبه مكانها . فهي كيان نصف مظلم ونصف مضاء. بمعنى أنه لا يغلب جانب التفاؤل على جانب الشر. فهو ليس مصلحا اجتماعيا، ولاهو ابن مؤسسة حزبية، ولا يتعامل بحيادية مع الواقع، بل هو قاص جدلي يجد في أمكنة نصف مضاءة مادته الفكرية. الحياة في مثل هذه الامكنة متجاورة ومتناقضة، حقيقية ووهمية، واقعية ومتخيلة. فثيمة النصف مضاءة مجس شعبي كشف من خلالها عن تناقضات اناس يعيشون في آن واحد في عالمين: عالم المثيولوجيا الدينية الدفية في أعماق الروح، وعالم الحياة اليومية المتلئة بهموم العيش والوجود. . ونجد الكثيرين منهم يعيش في العالمين في آن معاً هناك من يمتهن الأولى ليعيش في الثانية. ومن يمتهن الثانية ليستدل بها على الأولى.. لذا فكل شخصياته تنتمي للسياسة التقدمية رغم أنها مشبعة بروح ديني. فهم كيانات مدفونة في تراث الذات الجمعية الذي يقيدهم إلى بنية مكانية ممتلئة بالعمل في المقابر. وعن طريق هذه الجدلية الكاشفة أطل القاص موسى كريدي على طبيعة المرأة التي تتلفع دائما بعباءتها السوداء، المرأة التواقة للتحرر والتمرد. ويطل على عامل المقهى الشعبي وهو يمارس طقوسه الحياتية اليومية. وفي الوقت نفسه يكشف عن تمردة على تقاليد أهلة والمدينة في نشدان السفر والحرية والدراسة والعمل في المدن الكبيرة والابتعاد عن مدينة العلم والقبور كما يسميها. غرف نصف مضاءة ونصف معتمة،هي ليل نصفه نهار، ونهار مشبع بظلمة السلطة. وحياة لا تقف على قدمين إلا مسندتين بعكاز، وأناس لا يراهم إلا وهم في هم وشغل. ولغة تجتمع فيها لغات الشعوب. وبيت لا تسكنه إلا الألسن المختلفة. ونساء لا يرين وجههن إلا في الخدر. هذه الحياة المتناقضة كانت بقعته الخلاقة . ويوم انتقل إلى بغداد للعمل في الصحافة والمجلات كان موسى كريدي من أكثر الإدباء صمتا وكتمانا فهو يرى في محيطه مفارقات ولكنه لا يتقولها بل يفعل بالضد منها وله مواقف مشرفة في حماية أدباء وكتب منعت من الطبع يوم أصبح مديرا مؤقتا لمديرية النشر. فقد اشرف على اصدار كتاب الموسوعة الصغيرة وراس تحرير الاقلام أكثر من مرة، وهو جهد ثقافي متميز يتطلب التوازن في العقل والمعرفة أثناء نشوب الحرب كان أكثرنا صمتا حتى أنه انزوى بعيدا عن الإعلام والكتابة ولم يكتب ولا مرة واحدة ممجدا كما يفعل سطحيو الثقافة والوجاهة عن الحرب. واتخذ مجلسا خاصا يجمعه مع اساتذة قول وأدب بعيد عن مماحكات الصحافة. وفي انتفاضة آذار عام 1991 أحد أبناء أرته بعدها يمعن موسى كريدي في الابتعاد والاختفاء، متخذا من اسرته الصغيرة ملاذا له، ولما ضاقت به السبل المعيشية عمل سائق تكسي وهي العادة التي داب عليها أدباء العراق التقدميين هربا من مكرمات السلطة وثقافتها المزيفة. ثم يتوفى كمدا على وطن لم ينصف ثقافته وأدباؤه بالمرة بل أنصف المروجين والدعاة والكذابين والقتلة.
أدباء عراقيون
القاص موسى كريدي 1940-1996
1
يكتسب الحديث عن القاص موسى كريدي أهمية استثنائية في مثل هذه الظروف. فهو ابن لمدينة عريقة هي النجف، ولد فيها عام 1940 وأكمل الثانوية في مدارسها، ثم درس في جامعة بغداد وتخرج فيها عام قسم اللغة العربية1966. وشهد أول كتابة للقصة وهو ما يزال طالبا في الكلية. فهو أبن اسرة مثقففة عرفت الأدب منذ زمن بعيد واحتوى بيتهم على مكتبة زاخرة بالكتب التراثية. ومنذ أن عرفته في أواسط الستينات كان شغوفا بالبحث عن المفارقات الحياتية التي لا يجدها كما يقول إلا من خلال الأشكال الشفاهية الشعبية تلك التي تتحرك بيننا ونشهدها، ونعرف مصادرها ولكننا لا نتعامل ثقافيا معها.
في أواسط الستينات ظهرت مجلة الكلمة في النجف كرد فعل ثقافي على نكسة حزيران وتشتت الطاقات الثقافية والأدبية. كان موسى كريدي من كوادرها الشابة والجديدة التي وضعت مع مثقفين عراقيين آخرين خطة لاحتضان الأدباء الشباب والتجاهات الجديدة بمعناها الرافض للصياغات التقليدية والشكلية معنا . وبالفعل كانت مجلة الكلمة نافذة على الجديد، ليس في العراق وحده بل في الأدب العربي . فمدينة النجف التي تربى فيها القاص موسى كريدي تعتبر الحاضنة للثقافة الحديثة رغم تقليديتها فعراقتها في القديم شعرا وخطبة وصحافة مكنتها من أن تكون في طليعة المدن التي تحتضن الثقافة.. ليس لأنها المكان الذي يلقن ويدرس الشعر فيه كجزء من بنية الثقافة الدينية، بل هي المرجعية لكل تراث اللغة والدين والاجتهاد والشعر العربي القديم والحديث. ومنذ بداية تعلقه بالثقافة كتب موسى كريدي الشعر العمودي، ولم يوفق به كثيرا. ولكنه كما يقول منه تعلم إتقان اللغة العربية. وكتب العمود الصحفي والخاطرة النقدية، ولكنه لم يواصلهما أيضا لأنصرافة الجاد نحو فن القصة القصيرة.
اعتمد القاص موسى كريدي في كتابة القصة على ثراء الحياة الشعبية في المدن العريقة أعني مدينتي النجف وكربلاء. سواء بموروثهما الديني الذي يتلبس كل مفردة فيهما وقضية أو الثقافي العريق الذي يتوزع: كتبا ومخطوطات ومحاورات وندوات كل بيوت المدينة وحوزاتها العلمية والتعليمية. أو بحياتها الشعبية الغنية بالموروث القديم وبتقاليد الشعوب التي تأتي النجف حاجة أو زائرة أو متاجرة أو سائحة.. فقد اكتشف القاص فيها بقعته الخلاقة المولدة لمناخ قصصي متميز، مناخ ليس فيه تكرار لما حدث في قصة الخمسينات ولا تشابه لما يكتبه زملاؤه من قصاصي الستينات. فأكتشف في مفردات مقاهيها وازقتها وبيوتها العريقة وعوائلها المتباينة الألسن والثقافات والأزياء والعادات لغة قصصية ممتلئة بالتورية والبلاغة الشعبية وبالايديولوجيا المضمرة. فكان الدين وما يزال بقعة خصبة للتورية والقول بلسان معلن أمام السلطان وبآخر مضمر مخفي عن أعين السلطان. وقد عرفت النجف بمثل هذه التورية منذ زمن بعيد لتصبح مادة لغوية على ألسن العامة والكتاب منهم بوجه خاص. لغة تحمل كل ما يريده قاص متطلع للبحث عن الجديد والغريب والمتناقض والغائر في مثيولوجيا الأنسان الشعبي. وبالطبع تعد التعازي الحسينية في عاشوراء ومناسبات أخرى المادة الثرية في رؤية مجتمع المدينة من داخله وهو يمارس طقوسا وتقاليد غريبة وغائرة في الذات الجمعية. بحيث استطاع أن يلقي بنا في اتون هذا الجو المشحون بالسخرية والمفارقة، وكأننا نكتشف أنفسنا. فكان إلى جوار اتقانه فنون القصة الحديثة ومعرفته بدروب المدينة ومحلاتها، شغوف بالتقاط الشاذ والنادر والغريب من حياة الناس وأفعالهم. من هنا يتحول المكان عندة إلى طاقة بث كبرى في بناء قصصه.
لا شك أن الكثير من أدباء العراق نقلوا خصائص مدنهم في كتاباتهم، ولكن من تعامل مع المثيولوجيا الدينية وهو غيرمتعصب يمكنه أن يرى المفارقات الاجتماعية في هذه المدينة وغيرها من خلال بحثه المستمر عن الشخصية الشعبية المحملة بالعادات وبالتقاليد الشعبية، وفي الوقت نفسه المتطلعة نحو تجديد نفسها . فالشخصية القصصية عند موسى كريدي لا تشبه مؤلفها كما نرى ذلك في العديد من نتاجات الادباء العراقيين، بل تشبه كائنا مألوفا ممتلئا بالحس الشعبي وبرغبات بسيطة؛ كالسفر خارج العراق أو البحث عن وظيفة يعين بها اسرته، أو العمل في مواكب العزاء الحسينية موزعا للماء ومقدما للصلاة. كل رغبا أبناء المدن الدينية تتلخص بالبحث عن وجودهم ضمن تركيبة المدينة ووظائفها الشعبية. فلا طموح لهم خارج الدائرة المحيطة بالشخصية. من هنا أصبحت قصص موسى كريدي مثل قصة " غرف نصف مضاءة" واحدة من المواد الثقافية التي يمكن أن تدرس كمادة انثروبولوجية لعادات سكان المدن الدينية.. فمواسم العزاء وزيارة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف وغيرها لا تعني لموسى كريدي طقوسا وعادات قديمة يزاولها الناس في المناسبات، بل هي أعياد خفية للناس كي يمارسوا من خلالها وجودهم المقموع. فالموكب الحسنيني الذي يخترق شوارع المدينة براياته وأشعاره وسلاسله وأرديته البيض والسود هو موكب رجولي بالدرجة الأولى باحثا عن وجود للمدينة وللناس من خلال التكرار السنوي لعيد طقسي كبير يواصل الناس فيه مراسم أعادة بناء الروح المهدمة. وفي جانب آخر منه كان موكبا للتظاهر بالفحولة أيضا عندما تبرز صدور الرجال مشعرة عارية أمام النساء المتحلقات حول الموكب. عندئذ لا يخرج في كتابة القصة عن الموكب وتقاليده و فكرته في التعامل المختفية ظاهريا خلف العباءات السود والملونة، بل يكشف عن واقع إنساني غائر في الذات الجمعية للناس. من أن هذه المواكب الدينية الحماسية والشعرية والتذكارية ما هي في حقيقة أمرها إلا مواصلة دينية مع الذات المقموعة سياسيا. ودافعا حقيقيا لوجود الناس خارج ميدان الاهتمام السياسي المباشر. كل هذه الاجواء، وغيرها استبطنها القاص موسى كريدي دون أن يخل بتقاليد المدينة أو تقاليد المناسبات. فهو يرى أن المناسبة الدينية تنشط حياة الناس الداخلية ثقافياً، وتدفع بهم نحو مواقف سياسية مباشرة الصدام. وبالفعل أن أول ما ووجهت به مدينة النجف وغيرها من مدن العراق الدينية هو عنف القمع ودموية السلطة وكأن القاص منذ الستينات كان يتحسس أن المواقف الخاصة بشعب هذه المدن لا تفصح عن نواياها إلا في المناسبات الدينية..
الثيمة الاساسية لقصص موسى كريدي هي رؤيته للحياة بجدلها المتناقض تتم من خلال شخصية محورية واحدة ويندر أن اشرك القاص أكثر من شخصية محورية في بناء قصصه وأعني بذلك أن لشخصيته ميزات عراقية - نجفيه حتى بعد أن غادر النجف في أوائل السبعينات. وأن هذه الشخصية تشبه مكانها . فهي كيان نصف مظلم ونصف مضاء. بمعنى أنه لا يغلب جانب التفاؤل على جانب الشر. فهو ليس مصلحا اجتماعيا، ولاهو ابن مؤسسة حزبية، ولا يتعامل بحيادية مع الواقع، بل هو قاص جدلي يجد في أمكنة نصف مضاءة مادته الفكرية. الحياة في مثل هذه الامكنة متجاورة ومتناقضة، حقيقية ووهمية، واقعية ومتخيلة. فثيمة النصف مضاءة مجس شعبي كشف من خلالها عن تناقضات اناس يعيشون في آن واحد في عالمين: عالم المثيولوجيا الدينية الدفية في أعماق الروح، وعالم الحياة اليومية المتلئة بهموم العيش والوجود. . ونجد الكثيرين منهم يعيش في العالمين في آن معاً هناك من يمتهن الأولى ليعيش في الثانية. ومن يمتهن الثانية ليستدل بها على الأولى.. لذا فكل شخصياته تنتمي للسياسة التقدمية رغم أنها مشبعة بروح ديني. فهم كيانات مدفونة في تراث الذات الجمعية الذي يقيدهم إلى بنية مكانية ممتلئة بالعمل في المقابر. وعن طريق هذه الجدلية الكاشفة أطل القاص موسى كريدي على طبيعة المرأة التي تتلفع دائما بعباءتها السوداء، المرأة التواقة للتحرر والتمرد. ويطل على عامل المقهى الشعبي وهو يمارس طقوسه الحياتية اليومية. وفي الوقت نفسه يكشف عن تمردة على تقاليد أهلة والمدينة في نشدان السفر والحرية والدراسة والعمل في المدن الكبيرة والابتعاد عن مدينة العلم والقبور كما يسميها. غرف نصف مضاءة ونصف معتمة،هي ليل نصفه نهار، ونهار مشبع بظلمة السلطة. وحياة لا تقف على قدمين إلا مسندتين بعكاز، وأناس لا يراهم إلا وهم في هم وشغل. ولغة تجتمع فيها لغات الشعوب. وبيت لا تسكنه إلا الألسن المختلفة. ونساء لا يرين وجههن إلا في الخدر. هذه الحياة المتناقضة كانت بقعته الخلاقة . ويوم انتقل إلى بغداد للعمل في الصحافة والمجلات كان موسى كريدي من أكثر الإدباء صمتا وكتمانا فهو يرى في محيطه مفارقات ولكنه لا يتقولها بل يفعل بالضد منها وله مواقف مشرفة في حماية أدباء وكتب منعت من الطبع يوم أصبح مديرا مؤقتا لمديرية النشر. فقد اشرف على اصدار كتاب الموسوعة الصغيرة وراس تحرير الاقلام أكثر من مرة، وهو جهد ثقافي متميز يتطلب التوازن في العقل والمعرفة أثناء نشوب الحرب كان أكثرنا صمتا حتى أنه انزوى بعيدا عن الإعلام والكتابة ولم يكتب ولا مرة واحدة ممجدا كما يفعل سطحيو الثقافة والوجاهة عن الحرب. واتخذ مجلسا خاصا يجمعه مع اساتذة قول وأدب بعيد عن مماحكات الصحافة. وفي انتفاضة آذار عام 1991 أحد أبناء أرته بعدها يمعن موسى كريدي في الابتعاد والاختفاء، متخذا من اسرته الصغيرة ملاذا له، ولما ضاقت به السبل المعيشية عمل سائق تكسي وهي العادة التي داب عليها أدباء العراق التقدميين هربا من مكرمات السلطة وثقافتها المزيفة. ثم يتوفى كمدا على وطن لم ينصف ثقافته وأدباؤه بالمرة بل أنصف المروجين والدعاة والكذابين والقتلة.