المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطـــــفل سالم !!


ريووف
08-06-2004, 03:02 PM
الســــــــلام عليكم ورحمة الله وبركــــــــاته


http://www.jaralqamr.com/smiles/smile_files/smile2_data/997.gif


لم أكن تجاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أول أبنائي ، مازلت اذكر تلك

الليلة .. بقيت إلى آخر الليل مع الشلة في إحدى الاستراحات ، كانت سهرة مليئة

بالكلام الفارغ ، بل بالغيبة والتعليقات المحرمة ، كنت أنا الذي أتولى في

الغالب إضحاكهم .. وغيبة الناس .. وهم يضحكون .

اذكر ليلتها أني أضحكتهم كثيرا ، كنت امتلك موهبة عجيبة في التقليد ،

بامكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي اسخر منه ، اجل

كنت اسخر من هذا وذاك ، لم يسلم مني احد حتى أصحابي ، صار بعض الناس

يتجنبني كي يسلم من لساني .اذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته

يتسول في السوق ، والادهى أني وضعت قدمي أمامه فتعثر وسقط يتلفت

برأسه لا يدري ما يقول .. وانطلقت ضحكتي تدوي في السوق ، عدت إلى بيتي

متأخرا كالعادة ، وجدت زوجتي في انتظاري .. كانت في حالة يرثى لها

قالت بصوت متهدج : راشد .. أين كنت ؟

قلت ساخرا : في المريخ .. عند أصحابي بالطبع ..

كان الإعياء ظاهرا عليها ،

قالت والعبرة تخنقها : راشد أنا تعبة جدا .. الظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكا

سقطت دمعة صامتة على خدها .. أحسست أني أهملت زوجتي .. كان المفروض

أن اهتم بها واقلل من سهراتي .. خاصة أنها في شهرها التاسع .

حملتها إلى المستشفى بسرعة .. دخلت غرفة الولادة .. جعلت تقاسي الآلام

ساعات طوال ، كنت انتظر ولادتها بفارغ الصبر ..

تعسرت ولادتها .. فانتظرت طويلا حتى تعبت .. فذهبت إلى البيت وتركت رقم

هاتفي عندهم ليبشروني .

بعد ساعة .. اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم .. ذهبت إلى المستشفى فورا

، أول ما رأوني اسأل عن غرفتها .. طلبوا مني مراجعة الطبيبة التي أشرفت

على ولادة زوجتي ..

صرخت بهم : أي طبيبة ؟! المهم أن أرى ابني سالم

قالوا : أولا راجع الطبيبة ..

دخلت على الطبيبة .. كلمتني عن المصائب .. والرضا بالأقدار ..

ثم قالت : ولدك به تشوه شديد في عينيه ويبدو انه فاقد البصر !!

خفضت راسي .. وأنا أدافع عبراتي .. تذكرت ذاك المتسول الأعمى .. الذي

دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس .. سبحان الله كما تدين تدان !!!

بقيت واجما قليلا .. لا ادري ماذا أقول .. ثم تذكرت زوجتي وولدي ، فشكرت

الطبيبة على لطفها .. ومضيت لأرى زوجتي .. لم تحزن زوجتي .. كانت مؤمنة

بقضاء الله .. راضية .. طالما نصحتني أن اكف عن الاستهزاء بالناس .. كانت

تردد دائما .. لا تغتب بالناس .

خرجنا من المستشفى وخرج سالم معنا .. في الحقيقة .. لم أكن اهتم به كثيرا ..

اعتبرته غير موجود في المنزل ، حين يشتد بكاؤه اهرب إلى الصالة لأنام

فيها .. كانت زوجتي تهتم به كثيرا ، وتحبه كثيرا .

أما أنا فلم اكرهه .. لكني لم استطع أن أحبه ! كبر سالم .. بدأ يحبو .. كانت

حبواته غريبة .. قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي ..

فاكتشفنا انه أعرج .. أصبح ثقيلا على نفسي أكثر ، أنجبت زوجتي بعده عمر

وخالدا .. مرت السنوات .. وكبر سالم .. وكبر أخواه ..


كنت لا أحب الجلوس في البيت .. دائما مع أصحابي .. في الحقيقة كنت كاللعبة

في أيديهم ، لم تيأس زوجتي من إصلاحي .. كانت تدعو لي دائما بالهداية .. لم

تغضب من تصرفاتي الطائشة .. لكنها كانت تحزن كثيرا إذا رأت إهمالي لسالم

واهتمامي بباقي إخوته ..

كبر سالم .. وكبر معه همي .. لم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في إحدى

المدارس الخاصة بالمعاقين ، لم أكن أحس بمرور السنوات .. أيامي سواء .. عمل

ونوم وطعام وسهر .

في يوم جمعه .. استيقظت الساعة الحادية عشرة ظهرا .. لا يزال الوقت مبكرا

بالنسبة لي .. كنت مدعوا إلى وليمة ، لبست وتعطرت وهممت بالخروج .

مررت بصالة المنزل .. استوقفني منظر سالم .. كان يبكي بحرقة !

إنها المرة الأولى التي انتبه فيها إلى سالم يبكي منذ كان طفلا .. عشر سنوات

مضت .. لم التفت إليه .. حاولت أن أتجاهله .. فلم احتمل .. كنت اسمع صوته

ينادي أمه وأنا في الغرفة التفت .. ثم اقتربت منه ..

قلت : سالم ! لماذا تبكي ؟!

حين سمع صوتي توقف عن البكاء .. فلما شعر بقربي .. بدأ يتحسس ما حوله

بيديه الصغيرتين ..

ما به يا ترى ؟!

اكتشفت انه يحاول الابتعاد عني !!

وكأنه يقول : الآن أحسست بي .. أين أنت منذ عشر سنوات ؟!

تبعته .. كان قد دخل غرفته .. رفض أن يخبرني في البداية عن سبب بكائه ..

حاولت أتلطف معه .. بدأ سالم يبين سبب بكائه .. وأنا استمع إليه وانتفض ..

تدرون ما السبب ؟!

تأخر عليه أخوه عمر .. الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد ، ولأنها صلاة جمعه

، خاف إلا يجد مكانا في الصف الأول ، نادى عمر ..

ونادى والدته .. ولكن لا مجيب .. فبكى .. أخذت انظر إلى الدموع تتسرب من

عينيه المكفوفتين .

لم استطع أن أتحمل بقية كلامه ، وضعت يدي على فمه ..

وقلت : لذلك بكيت يا سالم !!

قال : نعم ..

نسيت أصحابي .. ونسيت الوليمة ..

وقلت : سالم لا تحزن .. هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد ؟

قال : أكيد عمر .. لكنه يتأخر دائما ،

قلت : لا .. بل أنا سأذهب بك ،

دهش سالم .. لم يصدق .. ظن أني اسخر منه .. استعبر ثم بكى .. مسحت دموعه

بيدي .. وأمسكت يده ، أردت أن أوصله بالسيارة ..

رفض قائلا : المسجد قريب .. أريد أن أخطو إلى المسجد..إي والله قال لي ذلك .

لا اذكر متى كانت آخر مرة دخلت فيها المسجد .. لكنها المرة الأولى التي اشعر

فيها بالخوف .. والندم على ما فرطته طوال السنوات الماضية .. كان المسجد

مليئا بالمصلين .. إلا أني وجدت لسالم مكانا في الصف الأول ، استمعنا لخطبة

الجمعة معا وصلى بجانبي ..

بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه ،

بعد انتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفا..استغربت !! كيف سيقرأ وهو أعمى ؟

كدت أن أتجاهل طلبه .. لكني جاملته خوفا من جرح مشاعره .. ناولته المصحف

، طلب مني أن افتح المصحف على صورة الكهف .. أخذت اقلب الصفحات تارة ..

وانظر في الفهرس تارة .. حتى وجدتها .. اخذ مني المصحف .. ثم وضعه أمامه ..

وبدأ في قراءة السورة .. وعيناه مغمضتان ..

يا الله !!!!!!!!!

انه يحفظ سورة الكهف كاملة !!!

خجلت من نفسي .. أمسكت مصحفا ، أحسست برعشة في أوصالي .. قرأت ..

وقرأت .. دعوت الله أن يغفر لي ويهديني .. لم استطع الاحتمال .. فبدأت ابكي

كالأطفال .

كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة .. خجلت منهم .. فحاولت أن

اكتم بكائي .. تحول البكاء إلى شهيق .. لم اشعر إلاا بيد صغيرة تتلمس وجهي ..

ثم تمسح عني دموعي ..

انه سالم !!

ضممته إلى صدري ، نظرت إليه .. قلت في نفسي .. لست أنت الأعمى ، بل أنا

الأعمى .. حين انسقت وراء رفاق يجرونني إلى النار ، عدنا إلى المنزل .. كانت

زوجتي قلقه كثيرا على سالم ، لكن قلقها تحول إلى دموع حين علمت أني

صليت الجمعة مع سالم .. من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد ..

هجرت رفقاء السوء .. وأصبحت لي رفقة خيرة عرفتها في المسجد .. ذقت طعم

الإيمان معهم .. عرفت منهم أشياء ألهتني عن الدنيا .. لم أفت حلقة ذكر أو

صلاة الوتر ، ختمت القرآن عدة مرات في شهر ، رطبت لساني بالذكر لعل الله

يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس .. أحسست أني أكثر قربا من أسرتي ..

اختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي .. الابتسامة ما

عادت تفارق وجه ابني سالم ، من يراه يظنه ملك الدنيا وما فيها ، حمدت الله

كثيرا على نعمه .. ذات يوم .. قرر أصحابي الصالحون أن يتوجهوا إلى إحدى

المناطق البعيدة للدعوة ، ترددت في الذهاب .. استخرت الله .. واستشرت

زوجتي .. توقعت أنها سترفض .. لكن حدث العكس ! فرحت كثيرا .. بل شجعتني

فلقد كانت تراني في السابق أسافر دون استشارتها فسقا وفجورا .. توجهت

إلى سالم..ضمني بذراعيه الصغيرينمودعا .. تغيبت عن البيت ثلاثة اشهر ونصف .


كنت خلال تلك الفترة اتصل كلما سنحت لي الفرصة بزوجتي وأحدث أبنائي ..

اشتقت إليهم كثيرا ..

آآآآآآآآه كم اشتقت إلى سالم !!

تمنيت سماع صوته .. هو الوحيد الذي لم يحدثني منذ سافرت .. إما أن يكون

في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم ..

كلما حدثت زوجتي عن شوقي إليه .. كانت تضحك فرحا وبشرا ..

إلا آخر مرة هاتفتها فيها ..

لم اسمع ضحكتها المتوقعة .. تغير صوتها ..

قلت لها : ابلغي سلامي لسالم ..

فقالت : إن شاء الله .. وسكتت ؟!!! ..

أخيرا عدت إلى المنزل .. طرقت الباب .. تمنيت أن يفتح لي سالم ..

لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره .. حملته بين ذراعي

وهو يصرخ : بابا .. بابا ..

لا ادري لماذا انقبض صدري حين دخلت البيت .. استعذت بالله من الشيطان الرجيم ،

أقبلت إلي زوجتي .. كان وجهها متغيرا .. كأنها تتصنع الفرح ..

تأملتها جيدا ثم سألتها : ما بك ؟!

قالت : لاشي ..

فجأة تذكرت سالم ..

فقلت : أين سالم ؟!!

خفضت رأسها .. لم تجب .. سقطت دمعات حارة على خديها ..

صرخت بها .. سالم .. أين سالم ؟!

لم اسمع حينها سوى صوت ابني خالد ..

يقول بلثغته : بابا .. ثالم لاح الجنة .. عند الله ..

لم تتحمل زوجتي الموقف .. أجهشت بالبكاء .. كادت أن تسقط على الأرض ..

فخرجت من الغرفة .. عرفت بعده أن سالم أصابته حمى

قبل موعد مجيئي بأسبوعين .. فأخذته زوجتي إلى المستشفى .. فاشتد عليه

الحمى .. ولم تفارقه .. حين فارقت روحه جسده ..


http://www.jaralqamr.com/smiles/smile_files/smile2_data/997.gif

ريـــــووف

الاميره الناعمه
08-06-2004, 10:39 PM
قصه حزينه مسكين سال

مشكوره ريووف على القصه

ويعطيك الف عافيه

مع تحياتي

أسير الرمش
08-07-2004, 11:07 PM
قصــــة تحمــــل في طياتهـــا كل الأسى والمواســـاه

أشكــرك آنستي (( ريووف)) على طرحك لهذه القصــة المحزنــة

تسلـــم يديـــــــك

يعطيكِ ألف عافية


تحية احتواها عبير الجوري

.. أسير الرمش ..

شووق
08-09-2004, 08:46 AM
http://www.al-wed.com/pic-vb/1080.gif

تحايا السلام المعطر بالورد والياسمين

لك غاليتنا ريووف

شكرا لك على طرحك لهذه القصه

لاحرمك الله اجر ما بذلته من جهد

ننتظر المزيد

دمت متألقه بسماء وصال

اختك بالله شووق

http://www.al-wed.com/pic-vb/1080.gif